ابن عربي

36

الفتوحات المكية ( ط . ج )

أما مخطوطا « بيازيد والفاتح » فهما ، معاً ، منقولان مباشرة عن « النسخة الأولى » الأصلية للمؤلف . ولدى الحصول على هذه الأصول الذاتية الثلاثة للفتوحات ، والاعتماد عليها ، استطعنا إقامة هيكل هذا الكتاب على أصلية الأساسين - أعني على النسخة الأولى والثانية له - ، وبالتالي تيسر لنا تحقيق « نص الفتوحات » على صورته الصحيحة وشكله الكامل ، في آن واحد . وأثناء عملنا في هذا البلدان ، أعني مقابلة « نص الفتوحات » على الأصول الذاتية للنسخة الأولى والثانية له ، تبين لنا أن الفروق بين النسختين يمكن إرجاعها إلى ثلاثة أقسام : فروق لفظية ، وفروق فكرية عقدية ، وفروق تاريخية . - وقد يبدو ، لأول وهلة ، أن « الفروق » التي هي من الصنف الأول - الفروق اللفظية - لا أهمية لها ، لأنها تتصل بالشكل والأسلوب أكثر من اتصالها بالموضوع والفكرة . إن الشيخ الأكبر كان قد أتم الجزء الأعظم من كتابه هذا ، أثناء رحلاته وأسفاره العديدة في الشرقين الأدنى والأوسط وآسيا الصغرى ، ابتداءاً من سنة 599 هجرية . ولما استقر به المقام في دمشق ، لدى الشطر الأخير من حياته ، أراد إعادة كتابة « الفتوحات » مرة ثانية ، وهو في جو أكثر هدوءاً وطمأنينة ، وفي ظروف أنسب للتأليف وعمل الفكر . وكذلك استأنف شيخنا كتابة « فتوحاته » من جديد ، سنة 632 هجرية بدمشق ، وأنجز عمله الكبير هذا طوال أربعة أعوام بكاملها . وذلك حتى يضفى على إنتاجه العلمي الصورة الصحيحة التي يرتضيها ، ويسبغ عليه الشكل النهائي الذي يطمأن إليه . - ولكن لا حظنا ، أحياناً ، أن الفروق اللفظية بين النسخة الأولى والثانية للفتوحات قد أفضت إلى اضطراب في « بنيان النص » حيث لم يلتزم ابن عربي ، أثناء « عملية التغيير » في النسخة الثانية لكتابه ، بقواعد اللغة ومناهجها . ولعل مرد ذلك كله إلى تقدم سن الشيخ - وقد تجاوز السبعين من عمره المديد - حين قيامه بهذه المهمة الشاقة . ولنذكر مثالا واحداً على ذلك ، مستخرجاً من السفر الخامس :